منوعات

حقيقة آيا صوفيا .. كنيسة أم متحف أم مسجد… وهل تجوز الصلاة فيه أساساً

حقيقة آيا صوفيا .. كنيسة أم مسجد أم متحف

صرح يعد بناء آيا صوفيا من أكثر المعالم التاريخية جدلاً عبر التاريخ، لكن ما هي حقيقة آيا صوفيا ؟ إنّه صرح فني له بصمة في تاريخ المسيخيين والمسلمين والعلمانيين، وفّق بين ثلاث تناقضات، فما الذي يميز هذا الصرح ويجعله أهلاً لأن يكون تاريخاً يطالب به الجميع ويدّعون أحقيتهم به؟

حقيقة آيا صوفيا.. بناء لا مثيل له

أول من بناها هو الإمبراطور قسطنطين الأكبر، عام 360 ميلادية، وكانت تعرف باسم الكنيسة الكبيرة نظراً لوجود كنيسة أخرى تعرف بنفس الاسم. وبعد تدميرها وحرقها في عام 404م قام الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني ببنائها سنة 515 م، لكنها دمّرت من جديد إثر ثورة نيكا في عام 532، فأعاد لإمبراطور جوستنيان في القرن السادس تشييده في النصف الثاني من عام 532م، منجزاً إياه بحفل تكريس في 26 كانون الأول/ ديسمبر عام 537م.

حقيقة آيا صوفيا

كان الإمبراطور جوستنيان يريد بناء كنيسة على الطراز المألوف بل كان يميل لابتكار الجديد، فأستدعى لهذا الغرض من ترالبس في آسية الصغرى، ومن ميليتس الأيونية، أنثميوس وأزدور أعظم المهندسين الأحياء، ليضعا رسوم البناء ويشرفا على تشييده. ولم يتبع المهندسان شكل الباسلقا التي جرت عليه التقاليد، بل وضعا للبناء تصميماً تكون صرته قبة واسعة لا ترتكز على جدران بل على أكتاف ضخمة، وتسندها نصفا قبتين من كلا الجانبين. واستخدم في العمل عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320 ألفا رطل من الذهب (134 مليون دولار أمريكي)، وهو كل ما كان في خزانة الدولة، وأمر حكام الولايات بأن يبعثوا إلى الكنيسة الجديدة بأجمل ما بقي من بين حافاتها المستديرة وقاعدتها المربعة.

 

ولم تحلّ هذه المشكلة المعمارية قبل ذلك الوقت حلاً أكثر توفيقاً من هذا. وقد وصف بروكبيوس القبة بأنها: “عمل مجيد يبعث الروعة في النفوس … وهي لا تبدو قائمة على ما تحتها من البناء بل تبدو كأنها معلقة بسلسة من الذهب في أبراج السماء”. وقد جلب الأحجار لبناء الكنيسة والأعمدة والرخام من مصر وبعلبك وأوبْوا وأثينا وروما، حتى قيل: “إن هذه البناية لم يشهد مثلها منذ آدم، ولا يمكن تشييدها بعد الآن”.
 

عمل مجيد يبعث الروعة في النفوس … وهي لا تبدو قائمة على ما تحتها من البناء بل تبدو كأنها معلقة بسلسة من الذهب في أبراج السماء

 

“آيا صوفيا” التي تعد من أهم متاحف تركيا حالياً تضم بين جدرانها تراثاً عريقاً لحقبات تاريخية مرت، تبدل فيها دور الصرح من كنيسة ذات أهمية كبيرة لدى المسحيين في شتى أنحاء أوروبا إلى مسجد ثم إلى متحف كما كانت عليه قبل أن يصدر قرار اليوم بتحويلها مرة أخرى إلى مسجد.

حقيقة آيا صوفيا

 

ظلّ هذا الصرح كنيسة لفترة 921 سنة، حتى عام 1453، إذ حوّله العثمانيون إلى مسجد، وذلك ومن بعدها تحولت مسجداً لفترة 481 سنة فكانت محط اهتمام المسلمين، وأضيف لها منبر ومئذنة من الخشب بفتوى من شيخ الإسلام وعلماء الإفتاء في الدولة العثمانية، حين واجه المسلمون مشكلة في أداء صلاة يوم الجمعة والصلوات الجامعة، لكن من ناحية الشكل التصميمي للكنيسة فقد أبقى المسلمون عليها كما هي، فتركوا رسومات العذراء والسيد المسيح لم يلمسوها بل أضافوا حولها لوحات كتبت عليها آيات القرآن الكريم وأحيطت العذراء مريم بكلمات “الله” و”محمد” و”أسماء الصحابة”.

 

وبقي المسجد على حاله حتى عهد الرئيس التركي الذي عرف بعلمانيته، مصطفى كمال أتاتورك، الذي أصدر قراراً بتحويل المسجد، بقرار سياسي عام 1935، إلى متحف فني يضم كنوزًا أثرية إسلامية ومسيحية، وتُعد الفسيفساء الموجودة في المدخل أيقونة للعمارة الإسلامية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتم ضم آيا صوفيا لمناطق التراث الإنساني العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.

وبقي هذا الصرح كذلك حتى اليوم حين قضت محكمة تركية بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد مرة أخرى، وسط موجة متباينة بين السخط والفرح.

حقيقة آيا صوفيا

حقيقة آيا صوفيا

بناء كنيسة آيا صوفيا على الطراز البازيليكى المقبب domed Basilica، وهو يأخذ شكلاً مستطيلاً يبلغ طوله 76 متراً من الشرق إلى الغرب و 72 متراً من الشمال إلى الجنوب، وتقع القبة الكبرى فوق وسط المبنى وترتفع عن الأرض بين 60 و55 متراً، أي أنها أعلى من قبة معبد البانثيون، وأبعاد أقطارها 87 و30 مترا بين الشرق والغرب، و87 و31 متراً بين الجنوب والشمال، وتغطي مساحة أرضية تعادل 700 متر مربع بأضلاع 70 ـ 100متر.

وفي الوقت الذي استخدم حجر البازلت والجرانيت في بناء الحوائط أو الجدران الأساسية، فإن القبة المركزية تستند على أربعة أعمدة جرانيتية ضخمة ومستديرة قطرها حوالي 3 أمتار عالية الارتفاع، وللجامع باب واحد كبير مفتوح لجهة الغرب، ولا يؤدي مباشرة لصحن الجامع الداخلي، وإنما يمر الإنسان بساحة مستطيلة الشكل قبل دلفه للداخل.

حقيقة آيا صوفيا

في نهاية هذه الساحة المستطيلة من جهة الشمال، يقع باب يؤدي إلى السلم الداخلي المؤدي للدور العلوي، وهو سلم فريد من نوعه يقع داخل المبنى، حيث لا يشتمل على درجات تصاعدية، وإنما عبارة عن سلم حلزوني واسع يرفع المرء لأعلى بطريقة بسيطة وتدريجية تعتمد على السير في دهاليز حلزونية أرضيتها تأخذ شكل مطلع أرضي مسطح.

سلم حلزوني واسع يرفع المرء لأعلى بطريقة بسيطة وتدريجية تعتمد على السير في دهاليز حلزونية أرضيتها تأخذ شكل مطلع أرضي مسطح.

 

ومن داخل آيا صوفيا يطالع المرء النوافذ الزجاجية الملونة الموجودة في الحائط المتجه ناحية القبلة، ويتميّز هذا البناء التاريخي بظاهرة الطابق العلوي، وقد سار العثمانيون على هذا النمط البنائي في معظم الجوامع والمساجد التي بنيت بعد فتح إسطنبول وحتى يومنا هذا. وهذا الطابق أو ما يشبه الشرفة تحيط بالجوانب فيما عدا جانب الشرق حيث المحراب. وما زالت صور عيسى ومريم عليهما السلام تحتل مكانهما في بطن القبة والجدران الداخلية العليا للجامع حتى اليوم دون تغيّر أو إزالة.

قبة كنيسة آيا صوفيا رائعة الجمال، وقد اعتبرت تطوراً في ذلك الوقت فقد كانت قبة ضخمة ليس لها مثيل من قبل، تبدو كأنها معلقة في الهواء. وكان ذلك أمراً طبيعيا إلى حد بعيد فقد أصبح لدى المهندس البيزنطي القدرة والخبرة القديمة الواسعة والمعرفة لابتكار ما هو لافت وجديد. سبق عمراني:

جمعت كنيسة آيا صوفيا العديد من الأفكار المعمارية التي كانت موجودة في ذلك الوقت، بل هي تعتبر قمة المعمار البيزنطي في مجال البازيليكات

 

.حقيقة آيا صوفيا

 

بناء مقاوم للزلازل

عندما اهتزت كل اسطنبول بزلزال عام 1992م، التركي أحمد جقمق من جامعة برنستون بدراسة تحمُّل أيا صوفيا للزلازل، فوضع أجهزة حساسة في كل البناء، ثم قام بإدخال المعلومات إلى الكمبيوتر، ثم أجرى اختبارا تخيليا؛ فيما لو تعرضت المنطقة لزلزال مخيف من عيار 7.5 ريختر؟!! وكانت النتيجة صمود البناء؟؟

ولكن الاختبار الفعلي لـ حقيقة آيا صوفيا جاء في آب/ أغسطس عام 1999م، عندما هلك آلاف الناس تحت الأنقاض، ويومها بان في الامتحان الزيف من الحقيقة، فاهتز كل شيء بما فيها أيا صوفيا، ولكن لم يسقط منها حجر، ولم يتصدع جدار.

حقيقة آيا صوفيا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى